مجد الدين ابن الأثير
393
النهاية في غريب الحديث والأثر
( س ) وفى حديث التسليم ( قل السلام عليك ، فإن عليك السلام تحية الموتى ) هذا إشارة إلى ما جرت به عادتهم في المراثي ، كانوا يقدمون ضمير الميت على الدعاء له كقوله : عليك سلام من أمير وباركت * يد الله في ذاك الأديم الممزق وكقول الآخر : عليك سلام الله قيس بن عاصم * ورحمته ما شاء أن يترحما * وإنما فعلوا ذلك لان المسلم على القوم يتوقع الجواب ، وأن يقال له عليك السلام ، فلما كان الميت لا يتوقع منه جواب جعلوا السلام عليه كالجواب . وقيل : أراد بالموتى كفار الجاهلية . * وهذا في الدعاء بالخير والمدح ، فأما في الشر والذم فيقدم الضمير كقوله تعالى ( وإن عليك لعنتي ) وقوله : ( عليهم دائرة السوء ) . * والسنة لا تختلف في تحية الأموات والاحياء . ويشهد له الحديث الصحيح أنه كان إذا دخل القبور قال : ( سلام عليكم دار قوم مؤمنين ) . * والتسليم مشتق من السلام اسم الله تعالى لسلامته من العيب والنقص . وقيل معناه أن الله مطلع عليكم فلا تغفلوا . وقيل معناه اسم السلام عليك : أي اسم الله عليك ، إذا كان اسم الله يذكر على الاعمال توقعا لاجتماع معاني الخيرات فيه وانتفاء عوارض الفساد عنه . وقيل معناه سلمت منى فاجعلني أسلم منك ، من السلامة بمعنى السلام . * ويقال السلام عليكم ، وسلام عليكم ، وسلام ، بحذف عليكم ، ولم يرد في القرآن غالبا إلا منكرا كقوله تعالى ( سلام عليكم بما صبرتم ) فأما في تشهد الصلاة فيقال فيه معرفا ومنكرا ، والظاهر الأكثر من مذهب الشافعي رحمه الله أنه اختار التنكير ، وأما في السلام الذي يخرج به من الصلاة فروى الربيع عنه أنه لا يكفيه إلا معرفا ، فإنه قال : أقل ما يكفيه أن يقول السلام عليكم ، فإن نقص من هذا حرفا عاد فسلم . ووجهه أن يكون أراد بالسلام اسم الله تعالى ، فلم يجز حذف الألف واللام منه ، وكانوا يستحسنون أن يقولوا في الأول سلام عليكم ، وفى الآخر السلام عليكم ، وتكون الألف واللام للعهد . يعنى السلام الأول .